
ضمن اطار التعاون وفتح قنوات التواصل الثقافي والفني بين هولندا والعالم الشرقي حلت فرقة "دومب" اليابانية ضيفاً على أمستردام للمرة الاولى لتقدم عرضها الراقص "حقيقة". الفرقة تعتمد في عملها على الكثير من التكنولوجيا المتطورة، اللون، الضوء، الحركة والرقصات المستخدمة في هذا العرض تقدم تجربة جديدة والتي يراهن عليها مخرج العرض منذ عام 2007 من قبل عشر فنانين من اختصاصات متوعة في مدينة "كياو" اليابانية. "سنذهب هذا المساء لمشاهدة عرض ياباني مسرحي راقص بعنوان "حقيقة" هو مفهوم جديد "المسرح الراقص" الذي ابتكره الفنان الالماني "كورت يوس" في العشرينات من القرن الماضي"، هكذا قالت لي صديقتي الهولندية. اكتظت قاعة مسرح "ستاتس خاوبورخ" في امستردام بالحضور الغفير الذي جاء ليشاهد هذه المسرحية. بعد أن شاهدت هذا العرض شغلني جدا بتفسيره وتأويلاته لما يحتوي هذا العرض الغرائبي والمحير الذي يشبه لوحة تجريدية ممتلئة بغزارة الوانها الدافئة وتشابك فكرتها التي تحوي على غرابة طرح الموضوع بموسيقى صاخبة داخل اضاءة باردة في جو شرقي لا يخلو من الدهشة والمتعة معا. حسب دليل العرض : "نحن نؤمن ان هناك في الطبيعة الوانا كثيرة، لوحة بتنويعات لا نهائية، لكن في الحقيقة ليس هناك سوى ثلاث أمواج ضوئية تتحول بواسطة المستقبلات البصرية في الدماغ إلى الوان مركبة. اللون اذاً ليس سوى تركيبة موجودة في اذهاننا أو في دماغنا. لا ينطبق هذا على الالوان فقط، فالواقع والحقائق التي نشعر انها مؤكدة هي في الواقع نبتكرها بأنفسنا في كل مرة. مسرحية "حقيقة" تبحث في العلاقة بين الدماغ والواقع المرئي، ديكور بسيط يسبح في الالوان الحارة الناتجة من المصبابيح، وعلى الشاشة تظهر لنا بين فترة واخرى خطوط متفاعلة، متناسقة، حروف، الوان، كتل، متراصة ومتباعدة ". ديكور بسيط في غرفة عارية الا من المائدة الخشبية التي وضعت عليها أدوات الممثل المنزلية، وهي قطعة الديكور الوحيدة وتحيط بها من الجانبين هياكل حديدية عالية في أجواء غرائبية، يطل علينا الراقص الشاب" تشيو" بحركات جسدية بارعة، يبرهن لنا انه يمتلك القدرة في الرقص وسرد الحكاية بالجسد، أنه يرقص ويطير في الفضاء، بعدها يأتي الراقص الثاني "تاكو" الذي يمثل السلطة، كان اداؤه غير واضح المعالم متشنجاً، يستمر العرض على هذا المنوال. يترهل العرض ويصبح مرتبكا ومملا، ولم يأت بشئ جديد. بالرغم من ان المسرح والرقص الياباني يحتلان مكانة متميزة في المشهد المسرحي العالمي لما لهما تأثيرات واضحة في الحركة المسرحية الغربية في المسرح والرقص الذي يعتمد على لغة الجسد وحركاته في الرقص المعاصر. أعتمد العرض برمته على اللون بشكل اساسي وكذلك لغة الجسد الراقص وفعل الحركات المكثفة والصمت البليغ واللون والموسيقى، والوسائط المتعددة. في هذه التجربة الجديدة كان البطل في هذا العرض هو الجسد وتكسراته، صمته، حيرته، وتحليقه في عالم مكتظ بالاصوات والالوان التي حاولت اختراقه وربما هي محاولة للهيمنه عليه. حاول الراقصان ان يبلغا التخوم القصوى للواقع في حركاتهما في اضاءة عالية المستوى حيث تحولت حركة الراقصين إلى مزيج من الالوان والصور التي تجعل مساحة الخشبة في تغيير دائم مزج بين اللون والضوء والرقص والحركة الجسدية، التجربة مثيرة بلا شك، من حيث هيمنة اللون والضوء وحضور الجسد وغياب المنطوق هما علامات العرض المسرحي الراقص "حقيقة". توزعت الاجساد في فضاء العرض بشكل ملفت للانتباه وبراعة وخفة وحرفة لاسيما الراقص الاول الشاب "تشيو" كان الافضل مرونة جسدية، أما الراقص الثاني" تاكو" فكان اقل مهارة. الزخم الكثير من الالوان والموسيقى قد اثقلا كاهل العرض، كما ان الضربات اللونية والحروف التي انعكست على شاشة العرض "ملتي ميديا" كانت قوية وشتت الفكرة. العرض كان نشيدا بصريا يخاطب العين أكثر مما هو يخاطب العقل، عرضا حسيا بامتياز. التكنولوجيا هي كونترول السلطة، غرفة المراقبة على الكائن البشري، كما هو واضح ان التكلنولوجيا المتطورة وظفت في جانب اساسي منها لتدمير الانسان. من حيث الدلالة تحتل التكنولوجيا مفاهيم عدة في حياتنا اليومية والاجتماعية والسياسية ومن منظور المسرح قد استخدمها الفنان الياباني للمفهوم السياسي وقد نجح في ذلك. وعن طريق الضوء، الصوت والحركة يبحث الراقصون عن العلاقة بينهم والاخر وكيف ينطرون الى العالم المحيط بهم، بين الحقيقة والوهم، وبحث العلاقة بين الواقع اللموس والدماغ البشري، تجربة جديدة في المسرح الياباني علها تستدعي التأمل كثيرا ربما ترى النور وتنجح في المستقبل! وينتشر الضوء في عتمة المسرح ! ربما باللون والضوء ارادو ان يكتشفوا الحقيقة.*"تاكو كاواكجي". فنان مسرحي غوريغراف وراقص ومصمم رقصات ياباني قدم العديد من الاعمال الراقصة في اليابان ودول اوربية اخرى ....
صالح حسن فارس- فنان مسرحي عراقي يقيم في أمستردام
عن موقع اذاعة هولندا العالمية




